فصل: فصل في بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر منهاج القاصدين (نسخة منقحة)



.فصل في أحوال من يخالط الأمراء والعمال والظلمة:

اعلم أن لك مع الأمراء والعمال والظلمة ثلاثة أحوال:
الحالة الأولى: أن تدخل عليهم وهى شرُّها: فقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «من أتى أبواب السلاطين افتتن وما ازداد عبد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً».
وقال حذيفة: إياكم ومواقف الفتن، فقيل: وما مواقف الفتن؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. وقال بعض الأمراء لبعض الزهاد: ألا تأتينا؟ فقال: أخاف إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتنا حرمتني، وليس في يدك ما أريده، ولا في صدى ما أخافك عليه، وإنما أتاك من أتاك ليستغني بك عمن سواك، وقد استغنيت عنك بمن أغناك غنى.
فهذه الآثار تبين كراهية مخالطة السلاطين. وأيضاً فان الداخل على السلطان معرض لأن يعصى الله عز وجل، إما بفعله أو قوله أو سكوته.
أما الفعل: فإن الدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى أماكن مغصوبة، ولو فرض أنه في موضع غير مغصوب، ففي الغالب يكون ما تحته أو ما يظله من خيمة أو نحوها من ماله الحرام، والانتفاع بذلك حرام، ولو فرض ذلك حلالاً، فربما يقع في غيره من المحذورات، إما أن يسجد له، أو يتمثل له قائماً، ويخدمه، ويتواضع له بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه.
والتواضع للظالم معصية، بل من تواضع لغنى لأجل غناه لا لمعنى آخر يقتضي التواضع، ذهب ثلثا دينه، فكيف إذا تواضع للظالم؟! ‍‍وتقبيل اليد له معصية، إلا أن يكون عند خوف، أو لإمام عادل، أو عالم يستحق ذلك، فأما غير ما ذكرنا، فلا يباح في حقهم إلا مجرد السلام.
وأما القول: فهو أن يدعو للظالم، أو يثنى عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه، أو يظهر له الحب والموالاة والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول بقائه، فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام. وقد جاء في الأثر: «من دعا لظالم بطول البقاء، فقد أحب أن يعصى الَّله». ولا يجوز دعاؤه له إلا أن يقول: أصلحك الَّله، أو وفقك الله، أو نحو ذلك.
وأما السكوت: فهو أن يرى في مجالسهم في الفرش الحرير، وأواني الفضة، والملبوس المحرم على غلمانهم من الحرير، ونحو ذلك، فيسكت. وكل من رأى شيئاً من ذلك وسكت فهو شريك فيه، وكذا إذا سمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء، فإن السكوت عن ذلك كله حرام، لأنه يجب عليه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، فهو معذور في السكوت.
قلنا: صدقت، إلا أنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر، لأنه لو لم يدخل ويشاهد، لم يجب عليه الأمر والنهى، وكل من علم بفساد في مكان، وعلم أنه إذا حضر لم يقدر على إزالته، لم يجز له أن يحضر.

.فصل في الدخول على الأمراء الظلمة بعذر:

فإن سلم مما ذكرنا، وهيهات، لم يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه، لما يرى من توسعهم في التنعم، فيزدرى نعمة الَّله عليه، ثم يقتدي به غيره في الدخول، ويكون مكثراً لسواد الظلمة.
وروى أن سعيد بن المسيب دعي إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك، فقال: لا أبايع اثنين ما اختلف الليل والنهار. فقالوا: ادخل من هذا الباب واخرج من الآخر، قال: لا والله لا يقتدي بي أحد من الناس، فجلد مائه وأُلْبِسَ الُمسُوح. فعلى ما بينا لا يجوز الدخول على الأمراء الظلمة إلا بعذرين:
أحدهما: إلزامُ من جهتهم يُخاف من الخلاف فيه الأذى.
والثاني: أن يدخل عليه السلطان زائراً، فجواب السلام لا بد منه.
وأما القيام والإكرام، فلا يحرم مقابلةً له على إكرامه، فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للحمد، كما أنه بالظلم مستحق للذم. فإن دخل عليه وحده، وقد رأى أن يقوم إعزازاً للدين فهو أولى وأمثل. ولا بأس بالقيام على هذه النية. إن علم أن ذلك لا يورث فساداً في الرعية ولا يناله أذى من غضبه، فترك الإكرام بالقيام أولي، ثم يجب عليه أن ينصحه، ويُعّرفه تحريم ما يفعله مما لا يدرى أنه محرم. فأما إعلامه بتحريم الظلم وشرب الخمر، فلا فائدة فيه، بل عليه أن يخوفه من ركوب المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر في قلبه، وعليه أن يرشده إلى المصالح. ومتى عرف طريقاً للشرع يحصل به غرض الظالم عرفه إياه.
الحال الثالث: أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه، والسلامة في ذلك، ثم ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم، فلا يُحبّ لقاءهم، ولا يثنى عليهم، ولا يستخبر عن أحوالهم، ولا يقترب إلى المتصلين بهم، ولا يتأسف على ما يفوته بسبب مفارقتهم، كما قال بعضهم:: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، إما يوم مضى فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم في غدٍ على وجلٍ، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون في اليوم؟!
مسألة: إذا بعث إليك سلطان مالاً لتفرقه على الفقراء، وكان له مالك معين، لم يحل أخذه، وإن لم يكن له، كان حكمه أن يتصدق به كما سبق بيانه، ويتولى تفرقته على الفقراء.
ومن العلماء من امتنع من أخذه، وإذا كان أكثر أموالهم الحرام، حرمت معاملتهم وما بنته الظلمة من القناطر والمساجد والسقايات، ينبغي أن ينظر فيه، فإن كانت تلك الأعيان التي بنيت بها لمالك معين، لم يجز العبور عليها إلا للضرورة، وإن لم يعرف مالكها جاز العبور عليها، والورع الامتناع، والله أعلم.

.كتاب آداب:

.الصحبة والأخوة ومعاشرة الخلق ونحو ذلك:

اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، لأن حسن الخلق يوجب التحابب والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتدابر، ولا يخفى ما في حسن الخلق من الفضل، والأحاديث دالة على ذلك. فقد روى من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» رواه الترمذي وصححه. وفي حديث آخر: «إن أحبكم إلى وأقربكم منى مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وإن أبغضكم إلىَّ وأبعدكم منى مجلساً يوم القيامة مساويكم أخلاقاً». وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى اللَّه وحسن الخلق».
وأما المحبة في الله تعالى، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» فذكر منهم: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه». وفي حديث آخر يقول الله عز وجل: «حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، وحققت محبتي للمتزاورين فيّ» وفي حديث آخر: «أوثق عرى الإيمان، أن تحب في الله وتبغض في الله»، والأحاديث في ذلك كثيرة.
واعلم أن يحب في الله ويبغض في الله، فإنك إذا أحببت إنسانا لكونه مطيعاً للَّه، فإذا عصى الله أبغضته في الله، لأن من أحب لسبب أبغض لوجود ضده، ومن اجتمعت فيه خصال محمودة ومكروهة، فإنك تحبه من وجه وتبغضه من وجه.
فينبغي أن تحب المسلم لإسلامه، وتبغضه لمعصيته، فتكون معه على حالة متوسطة بين الانقباض والاسترسال، فأما ما يجرى منه مجرى الهفوة التي يعلم أنه نادم عليها، فالأولى حينئذ الإغماض والستر، فإذا أصر على المعصية، فلا بد من إظهار أثر البغض بالإعراض عنه والتباعد، وتغليظ القول له على حسب غلظ المعصية وخفتها.
واعلم أن المخالف لأمر الله تعالى على أقسام:
أحدهما: أن يكون كافراً، فإن كان حربياً فهو مستحق للقتل والإرقاق، وليس بعد هذين إهانة، وإن كان ذمياً فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه، والتحقير له بالاضطرار له إلى أضيق الطريق، وترك البداءة بالسلام. فإن سلم قيل له: وعليك. والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته، ومن المكروه الاسترسال إليه والانبساط كما يفعل بالأصدقاء.
القسم الثاني: المبتدع، فان كان ممن يدعو إلى بدعة، وكانت البدعة بحيث يكفر بها، فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها، فأمر اشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية ولا يسامح بعقد ذمة، وإن كان ممن لا يكفر بها. فأمره بينه وبين الله تعالى أخف من أمر الكافر لا محالة، ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على الكافر، لأن شر الكافر غير متعد، لأنه لا يلتفت إلي قوله، بخلاف المبتدع الذي يدعو إلى بدعته لأنه يزعم أن ما يدعو إليه حق، فيكون سبباً لغواية الخلق، فشره متعد، فإظهار بغضه والانقطاع عنه ومعاداته وتحقيره والتشنيع عليه ببدعته وتنفير الناس عنه أشد.
فأما المبتدع العامي الذي لا يقدر أن يدعو ولا يخاف الاقتداء به، فأمره أهون، والأولى أن يتلطف به في النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب، فإن لم ينفع النصح وكان في الإعراض عنه تقبيح لبدعته في عينه، تأكد استحباب الإعراض عنه، وأن علم أن ذلك لا يؤثر لجمود طبعه ورسوخ اعتقاده في قلبه، فالأعراض عنه أولى، لأن البدعة إذا لم يبالغ في تقبيحها شاعت بين الخلق وعم فسادها.
القسم الثالث: العاصي بفعله لا باعتقاده، فإن كانت بحيث يتأذى بها غيره، كالظلم والغضب وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحو ذلك، فالأولى الأعراض عنه وترك مخالطته والانقباض عن معاملته، وكذلك الحكم فيمن يدعو إلى الفساد، كالذي يجمع بين الرجال والنساء ويهيئ أسباب الشرب لأهل الفساد، فهذا ينبغي إهانته ومقاطعته والإعراض عنه.
فأما الذي يفسق في نفسه بشرب خمر أو زنا أو سرقة أو ترك واجب، فالأمر فيه أخف، ولكنه في وقت مباشرته إن صودف، وجب منعه بما يمتنع به، فإن كان النصح يرده وكان أنفع له، نصح وإلا أغلط له.

.فصل في بيان الصفات المشروطة فيمن تختار صحبته:

روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». واعلم أنه لا يصلح للصحبة كل أحد، ولابد أن يتميز المصحوب بصفات وخصال يرغب بسببها في صحبته، وتشترط تلك الخصال بحسب الفوائد المطلوبة من الصحبة، وهي إما دنيوية كالانتفاع بالمال والجاه، أو بمجرد الاستئناس بالمشاهدة والمحاورة، وليس ذلك غرضنا، وأما دينية، وتجتمع فيها أغراض مختلفة، منها الاستفادة بالعلم والعمل، ومنها الاستفادة من المال للاكتفاء به عن تضييع الأوقات في طلب القوت، ومنها الاستعانة في المهمات، فتكون عدة في المصائب وقوة في الأحوال، ومنها انتظار الشفاعة في الآخرة، كما قال بعض السلف: استكثروا من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة. فهذه فوائد تستدعى كل فائدة شروطاً لا تحصل إلا بها.
وفي جملة، فينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلاً حسن الخلق غير فاسق ولا مبتدع ولا حريص على الدنيا. أما عقل، فهو رأس المال، ولا خير في صحبة الأحمق، لأنه يريد أن ينفعك فيضرك، ونعنى بالعاقل الذي يفهم الأمور على ما هي عليه، إما بنفسه، وإما أن يكون بحيث إذا أفهم فهم.
وأما حسن الخلق، فلابد منه، إذ رب عاقل يغلبه غضب أو شهوة فيطيع هواه فلا خير في صحبته.
وأما الفاسق، فإنه لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله تعالى لا يؤمن غائلته ولا يوثق به.
وأما المبتدع فيخاف من صحبته بسراية بدعته. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقليك منه، واعتزال عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين، ولا أمين إلا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى. قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق تحتاج أن يقول له: اذكرني في دعائك، وأن تعيش معه بالمداراة، أو تحتاج أن تعتذر إليه. ودخل جماعة على الحسن وهو نائم، فجعل بعضهم يأكل من فاكهة في البيت، فقال: رحمك الله، هذا والله فعل الإخوان. وقال أبو جعفر لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم أخيه فيأخذ منه ما يريد؟ قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان كما تزعمون.
ويروى أن فتحاً الموصلي جاء إلى صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي لي كيس أخي، فأخرجته، فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بذلك، فقال: إن كنت صادقة، فأنت حرة، فنظر فإذا هي قد صدقت، فعتقت.

.فصل: في بيان ما على الإنسان لأخيه من الحقوق:

الحق الأول: قضاء الحاجات والقيام بها، وذلك درجات: أدناها: القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار.
وأوسطها: القيام بالحوائج من غير سؤال.
وأعلاها: تقديم حوائجه على حوائج النفس.
وقد كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضى حوائجهم.
الحق الثاني: على اللسان بالسكوت تارة، وبالنطق أخرى. أما السكوت، فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيبته، وعن الرد عليه ومماراته ومناقشته، وعن السؤال عما يكره ظهوره من أحواله. ولا يسأله إذا لقيه: إلى أين؟ فربما لا يريد إعلامه بذلك، وأن يكتم سره ولو بعد القطيعة، ولا يقدح في أحبابه وأهله، ولا يبلغه قدح غيره فيه.
الحق الثالث: وينبغي أن يسكت عن كل ما يكرهه، إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف أو نهى عن منكر ولم يجد رخصة في السكوت، فإن مواجهته بذلك إحسان إليه في المعنى.
واعلم أنك إن طلبت منزهاً عن كل عيب لم تجد، ومن غلبت محاسنه على مساويه فهو الغاية.
وقال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب الزلات. وقال الفضيل: الفتوة: الصفح عن زلات الإخوان. وينبغي أن تترك إساءة الظن بأخيك، وأن تحمل فعله على الحسن مهما أمكن، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وإياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث».
واعلم أن سوء الظن يدعو إلى التجسس المنهي عنه، وأن ستر العيوب والتغافل عنها سيمة أهل الدين.
واعلم أنه لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به، ولا شك أنك تنتظر من أخيك أن يستر عورتك، وأن يسكت عن مساويك، فلو ظهر لك منه ضد ذلك اشتد عليك فكيف تنتظر منه مالا تعزم عليه له؟
ومتى التمست من الأنصاف مالا تسمح به دخلت في قول الله تعالى: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [سورة المطففين: 2-3]. منشأ التقصير في ستر العورة والمغرى بكشفها الحقد والحسد.
واعلم أن من أشد الأسباب لإثارة الحقد والحسد بين الإخوان المماراة، ولا يبعث عليها إلا إظهار التميز بزيادة الفضل والعقل واحتقار المردود عليه، ومن مارى أخاه، فقد نسبه إلى الجهل والحمق، أو إلى الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه. وكل ذلك استحقار، وهو يوغر الصدر ويوجب المعادة، وهو ضد الأخوة.
الحق الرابع: على اللسان بالنطق، فإن الأخوة كما تقتضى السكوت عن المكروه، تقتضى النطق بالمحبوب، بل هو أخص بالأخوة، لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الإخوان ليستفاد منهم لا ليتخلص منهم، لأن السكوت معناه كف الأذى، فعليه أن يتودد إليه بلسانه، ويتفقده في أحواله، ويسأل عما عرض له، ويظهر شغل قلبه بسببه، ويبدى السرور بما يسر به.
وفي الصحيح من رواية الترمذي: «إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه». ومن ذلك أن يدعوه بأحب أسمائه إليه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
ثلاث يصفين لك ود أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليك. ومن ذلك أن يثنى عليه بما يعرفه من محاسن أحواله عند من يؤثر الثناء عنده، وكذلك الثناء على أولاده وأهله وأفعاله، حتى في خلقه وعقله وهيئته وخطه وتصنيفه وجميع ما يفرح به من غير إفراط ولا كذب. وكذلك أن تشكره على صنيعه في حقك، وأن تذب عنه في غيبته إذا قصد بسوء، فحق الأخوة التشمير في الحماية والنصرة. وفي الحديث الصحيح: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»، ومتى أهمل الذب عن عرضه يكون قد أسلمه، ولك في ذلك معياران:
أحدهما: أن تقدر أن الذي قيل فيه، قد قيل فيك وهو حاضر، فتقول ما تحب أن يقوله.
الثاني: أن تقدر أنه حاضر وراء جدار يتسمع عليك، فما تحرك في قلبك من نصرته في حضوره ينبغي أن يتحرك في غيبته. ومن لم يكن مخلصاً في إخائه فهو منافق. ومن ذلك التعليم والنصيحة، فليس حاجة أخيك إلى العلم بأقل من حاجته إلى المال، وإذا كنت غنياً بالعلم فواسه وأرشده.
وينبغي أن يكون نصحك إياه سراً، والفرق بين التوضيح والنصيحة الإعلان والإسرار، كما أن الفرق بين المداراة والمداهنة بالغرض الباعث على الأعضاء، فإن أغضيت لسلامة دينك ولما ترى فيه إصلاح أخيك بالإعضاء، فأنت مدار، وإن أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن. ومن ذلك: العفو عن الزلات، فإن كانت زلته في دينه فتلطف في نصحه مهما أمكن، ولا تترك زجره ووعظه، فإن أبي فالمصارحة.
الحق الخامس: الدعاء للأخ في حياته وبعد موته بكل ما تدعو به لنفسك.
وفي أفراد مسلم من حديث أبي الدرداء، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل». وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يدعو لخلق كثير من إخوانه يسميهم بأسمائهم. وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يدعو في السحر لستة نفر.
وأما الدعاء بعد الموت، فقال عمرو بن حريث: إذا دعا العبد لأخيه الميت، أتى بها ملك قبره، فقال: يا صاحب القبر الغريب، هذه هدية من أخ عليك شفيق.
الحق السادس: الوفاء والإخلاص، ومعنى الوفاء: الثبات على الحب إلى الموت، وبعد موت الأخ مع أولاده وأصدقائه، وقد أكرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عجوزاً وقال: «إنها كانت تغشانا في أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان». ومن الوفاء أن لا يتغير على أخيه في التواضع وإن ارتفع شأنه واتسعت ولايته وعظم جاهه.
واعلم أن ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الدين، فقد كان الشافعي رحمه الله آخى محمد بن عبد الحكم، وكان يقربه ويقبل عليه، فلما احتضر قيل له: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم وهو عند رأسه ليومئ إليه فقال: إلى أبي يعقوب البويطي، فانكسر لها محمد، ومع أن محمدا كان قد حمل مذهبه، لكن البويطي كان أقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعي رحمه الله المسلمين وترك المداهنة، فانقلب ابن الحكم عن مذهبه، وصار من أصحاب مالك. ومن الوفاء أن لا يسمع بلاغات الناس على صديقه، ولا يصادق عدو صديقه.
الحق السابع: التخفيف وترك التكليف والتكليف، وذلك أن لا يكلف أخاه ما يشق عليه، بل يروح سره عن مهماته وحاجاته، ولا يستمد من جاهه ولا ماله، ولا يكلفه التفقد لأحواله والقيام بحقوقه والتواضع له، ويكون قصده بمحبته الله وحده، والتبرك بدعائه، والاستئناس بلقائه، والاستعانة على دينه، والتقرب إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه، وتمام التخفيف طي بساط الاحتشام حتى لا يستحى منه فيما لا يستحى فيه من نفسه. قال جعفر بن محمد: أثقل إخواني على من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبى من أكون معه كما أكون وحدي.
وقال بعض الحكماء: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن تمام هذا الأمر أن ترى الفضل من أكون معهم منزلة الخادم.

.فصل: جملة من آداب المعاشرة للخلق:

ولنذكر في آخر هذا الباب جملة من آداب المعاشرة للخلق:
فمن حسن المعاشرة أن تتوفر من غير ذل لهم ولا خوف منهم، وتتحفظ في مجالسك من تشبيك أصابعك، وإدخال إصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك، والتثاؤب. أصغ إلى محدثك، ولا تسأله الإعادة، ولا تحدث بإعجابك بولدك وجاريتك، ولا تتصنع تصنع المرأة في التزيين، ولا تتبذل تبذل العبد. وخوف أهلك في غير عنف، ولن لهم من غير ضعف.
ولا تهازل أمتك وعبدك، فيسقط وقارك، ولا تكثر الالتفات إلي ورائك. ولا تجالس السلطان، فإن فعلت فاحذر الذنوب والغيبة، وصن سره، واحذر المداعبة عنده، وتحفظ من الجشاء بحضرته والتخلل، وإن قربك فكن منه على حذر، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبي، وكلمة بما يشتهيه، ولا تدخل بينه وبين أهله وحشمه. وإياك وصديق العافية.
ولا تجعل مالك أكرم من عرضك. وإذا دخلت مجلساً فأجلس فيما هو أقرب للتواضع. ولا تجلس على الطريق، فإذا جلست فغض البصر، وانصر المظلوم، وأرشد الضال. ولا تبصق في جهة القبلة ولا عن يمينك، ولكن عن يسارك تحت قدمك اليسرى. واحذر مجالسة العوام، فإن فعلت فعليك بالتغافل عما يجرى من سوء أخلاقهم وترك الخوض في حديثهم. واحذر كثرة المزاح فإن اللبيب يحقد عليك في المزح، والسفيه يجترئ عليك.

.باب في حقوق المسلم والرحم والجوار والملك ونحو ذلك:

فمن حقوق المسلم: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشتمه إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك. وجميع هذا منقول في الآثار.
ومنها: أن لا تؤذى أحداً من المسلمين بقول ولا فعل، وأن تتواضع للمسلمين، فلا تتكبر عليهم، ولا تسمع بلاغات الناس بعضهم في بعض، ولا تبلغ بعضهم ما تسمع من بعض.
ومنها: أن لا تزيد في الهجرة على ثلاثة أيام لمن تعرفه، للحديث المشهور في ذلك.
وفي حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاثة أيام، فإذا مرت به ثلاثة أيام فلقيه فليسلم عليه، فإن رد عليه السلام، فقد اشتركا في الأجر، وأن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة».
واعلم أن هذه الهجرة إنما هي فيما يتعلق بالدنيا، أما حق الدين، فإن هجران أهل البدع والأهواء والمعاصي ينبغي أن تدوم، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق.
ومنها: أن يحسن إلى كل من يقدر أن يحسن إليه من المسلمين ما استطاع، وأن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه، ويستأذن ثلاثاً فإن لم يأذن انصرف.
ومنها: أن يخالق الناس بخلق حسن، وذلك أن يعامل كلاً منهم بحسب طريقته، فإنه متى لقي الجاهل بالعلم، واللاهي بالفقه، والغبي بالبيان، أذى وتأذى.
ومنها: أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان، وأن يكون مع الخلق كافة طلق الوجه رقيقاً، وأن يفي لهم بالوعد، وينصف الناس من نفسه، ولا يأتي إليهم إلا ما يجب أن يؤتى إليه.
قال الحسن: أوحى الله إلى آدم عليه السلام أربع كلمات، وقال: فيهن جماع الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الخلق. فأما التي لي: فتعبدني لا تشرك بي شيئاً. وأما التي لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه. وأما التي بيني وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة. وأما التي بينك وبين الناس: فتصحبهم بالذي تحب أن يصحبوك به.
ومنها زيادة توقير ذوى الهيئات.
ومنها: إصلاح ذات البين، وستر عورات المسلمين.
واعلم أنه من تأمل ستر الله تعالى على العصاة في الدنيا اقتدى بلطفه، فإنه جعل الشهادة في الزنى أن يشهد أربعة من العدول أنهم شهدوا ذلك كالميل في المكحلة، وهذا لا يتفق، ومن هذا أثر كرمه في الدنيا يرجى منه ذلك في الآخرة.
ومنها: أن يتقى مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن به، وألسنتهم عن غيبته.
ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى في قضاء حوائجهم.
ومنها: أن يبدأ بالسلام كل مسلم قبل أن يكلمه، ومن السنة المصافحة. فقد روى عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «ما من مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، إلا كان حقاً على الله عز وجل أن يحضر دعاءهما، وأن لا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما».
وفي حديث آخر: «إذا صافح المؤمن المؤمن نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة وتسعون لأبشهما وأحسنهما خلقاً». ولا بأس بتقبيل يد المعظم في الدين، ولا بأس بالمعانقة. وأما الخذي بالركاب لتوقير العلماء، فقد فعل ذلك ابن عباس بزيد بن ثابت رضي الله عنهما، والقيام على سبيل الإكرام لأهل الفضل حسن، وأما الانحناء فمنهي عنه.
ومنها: أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم الغير، ويناضل دونه وينصره.
ومنها: أنه إذا ابتلى بذي شر، فينبغي أن يجامله ويتقيه، لحديث عائشة رضي الله عنها.
وقال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بداً، حتى يجعل الله عز وجل له فرجاً.
ومنها: أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالمساكين، ويحسن إلى الأيتام.
ومنها: عيادة مرضاهم.
ومن آداب العائد: أن يضع يده على المريض، يسأله كيف هو، ويخفف الجلوس، ويظهر الرقة، ويدعو له بالعافية، ويغض البصر عن عورات المكان.
ويستحب للمريض أن يفعل ما أخرجه مسلم في أفراده، من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ضع يدك على الذي يؤلمك من جسدك وقل: بسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر».
وجملة آداب المريض: حسن الصبر، وقلة الشكوى والتضجر، والفزع إلى الدعاء، والتوكل على الله سبحانه.
ومنها: أن يشيع جنائزهم، ويزور قبورهم. والمقصود من التشييع: قضاء حق المسلمين، والاعتبار.
قال الأعمش: كنا نحضر الجنائز، فلا ندرى من نعزى لحزن القوم كلهم. والمقصود من زيارة القبور: الدعاء، والاعتبار، وترقيق القلب.
ومن آداب تشييع الجنائز: المشي، ولزوم الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت، والتفكير في الموت، والاستعداد له.
وأما حقوق الجار: فاعلم أن الجوار يقتضى حقاً وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام فيستحق ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وجاء في الحديث: «إن الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وجار له حقان: فالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار وأما الذي له حق واحد: فالجار المشرك».
واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى والرفق، وابتداء الخير، وأن يبدأ جاره بالسلام، ولا يطيل مهم الكلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع إلى داره، ولا يضايقه في وضع الخشب على جداره، ولا في صب الماء في ميزابه، ولا في طرح التراب في فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من عوراته، ولا يتسمع عليه كلامه، ويغض طرفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا غاب.